The English Patient

english-patient4

ترجع بنا الذكريات الى الوراء، ثم تتقدم مدفوعة بالرغبة كما هي بالخساره، “المريض الانجليزي” يبحث عن اجابات قد لاترضي فضولنا. هذة النسخة السينمائية الشعرية المثيرة من رواية مايكل اونداتجي، تاخذنا عبر  عالم يكتنفه الغموض الى ان تتفكك رموز الأحجية، ولا يبقى في نفوسنا سوى آثار جرح عميق تركته قصة عشق ضائع. ان هذا النوع من الافلام جدير بالمشاهدة مرتين، الأولى بحثاً عن الأسئلة والثانية بحثاً عن الإجابات.

يرفع ستار الفيلم كاشفاً عن طائرة شراعية تعود الى فترة ما قبل الحرب، تحلق الطائرة فوق الصحراء، وعلى متنها راكبان يطلان من قمرتها المكشوفة. سيخبرنا الفيلم من هم هؤلاء، وسبب وجودهم في هذة الطائرة، وما سيحدث بعد ذلك. اما ما تبقى من  القصة فهو مقدمة وخاتمة لاسباب تلك الرحلة التي تسرد لنا باسلوب بصري أخاذ يوازي بثراءه فيلماً من افلام “دايفيد لين”،  وباهتمام بادق تفاصيل الذكريات التي تثير احاسيسنا حتى قبل ان نفهم معناها.

تدور احداث الفيلم الحاضرة في ايطاليا، خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. اما “المريض الانجليزي” عنوان الفيلم فهو رجل اثخنته الحروق، يرقد على سريرة ضمن قافلة طبية. وعندما تسوء حالته الى درجة يتعذر معها نقله من مكان الى آخر، تقرر الممرضة هانا (جولييت بينوش) ان تتخلف عن الركب ليتسنى لها العناية به، فتختار أنقاض دير مهجور مقاماً لعيادة مؤقتة، وسرعان ما ينضم اليها في ذلك المكان خبيرا متفجرات، وزائر غامض يدعى كارافاجيو (ويليام دافو).

لقد ساءت حروق المريض حتى بدا جلده كرقعة. واستحال وجهه قناعاً، كما فقد ذاكرته. اما هانا فما تلبث توليه الرعاية كملاك، ربما لانه يذكرها برجال آخرين احبتهم وفقدتهم في اتون الحرب. تقول هانا “انا نحسة لا محالة، كل من يحبني او يتقرب مني يلقى حتفه”، اما كارافاجيو الذي يهمه حصته من المورفين التي تصرفه هانا لمريضها فهو اكثر سخرية “اسئلي مريضك التي تظنينه قديساً من قتل، لا اظنه قد نسي شيئاً”.
تنجذب الممرضة الى واحد من خبراء المتفجرات، وهو رجل وسيم مرح وهو ضابط من السيخ واسمه كيب (نافين اندروس). وبينما تراقبة وهو يخاطر بحياته من اجل ازالة الالغام، تخشى ان تحل عليه لعنتها ان هما وقعا في الحب فتودي بحياته. في تلك الأثناء يسترجع المريض اجزاء من ذاكرته المفقودة على شكل ومضات، يستمد بعضها من مجلد المؤرخ هيرودوت الذي عثر علية بجانب جسده المتفحم، والذي يحوي قصاصات لملاحظات شخصية ورسومات وقصائد كانت قد ارفقت بطياته.

لن اكشف لكم مكنون ما يتذكره، ولكني ببساطة سالقي الضوء على معالم اتضحت في وقت مبكر من الفيلم، فمثلاً يتضح ان المريض ليس انجليزياً بل كونت هنجاري، واسمه “لازلو دي الماشي” (رالف فاينز)، والذي التحق بالجمعية الجغرافية الملكية بمصر فترة ما قبل الحرب كطيار ليجوب الصحراء، ويرسم خرائط لاستخدامها في الابحاث، ولكن كل ذلك كان غطاءاً للهدف الاساسي من صنع هذه الخرائط وهو استخدامها من قبل الجيش البريطاني في حالة الحرب.

قبيل الحرب، وفي صخب حياة القاهرة الاجتماعية، يلتقي “الماشي” بامرأة متزوجة حديثاً مشاركا لها في الرقص، واسمها كاثرين كليفتن (كريستين سكوت توماس)، والتي تعتبر زوجها جيفري (كولين فيرث) خيبة امل لها. يتبعها  “الماشي” ذات ليلة الى بيتها فتواجهه قائلة: “لماذا تتبعني؟ رافقني بدلاً من ان تتبعني… ”من الواضح لكليهما انهما وقعا في الحب، وتشاء الاقدار ان يجدا نفسيهما في الصحراء كجزء من بعثة استكشافية. وعندما يتم استدعاء جيفري (لاسباب مقنعة تتبين لاحقاً)، تتوطد علاقتهما. وفي مشهد أخاذ، يدفن مخيمهما وسط عاصفة رملية، اما ارتياحهما بالبقاء على قيد الحياة فسيفضي الى عاصفة رومانسية اكثر روعة.

02-English-Patient

وها هما – الكونت والمرأة البريطانية- اللذين كانا في الطائرة في مفتتح الفيلم، ولكن الظروف التي قادتهما الى تلك الرحلة ستبقى لغزاً حتى آخر مشاهد الفيلم، مثلها مثل الغاز كثيرة اخرى، بما في ذلك الافعال التي قام بها “الكونت” والتي يدعي الزائر الغريب “كارافاجيو” انها ادت الى قطع ابهاميه من قبل النازيين.

كل هذه القصة التي حدثت في الماضي (وهناك المزيد) سيلملم شظاياها رجل يحتضر لتكمل قطع الاحجية بعضها، وبينما تميل له الممرضة حيناً، وتقبله حيناً آخر بعد ان تغسل جلده المكوي محاولة بذلك ان تشفي جراحها الخاصة التي تركتها ويلات الحرب.
هناك لحظات عظيمة التأثير: منها عندما تلعب الحجلة وحيدة، ومشهد نرى فيه الممرضة بصحبة ضابط السيخ والبيانو، وحوارات تدور ساعات الغسق مع المريض ومع كارافاجيو، وبتلك التفاصيل يكتمل نسيج القصة.

يتسم الفيلم بوضوح عال على صعيد الأداء، مما يساعدنا في الاهتداء الى الطريق بين تشعبات القصة. “بينوش” امرأة اثخنت قلبها
جراح الحرب، حتى باتت تبحث عن جراح الآخرين املاً في نسيان آلامها.
“فاينز” يؤدي دوراً مزدوجاً لشخص كتوم، يخفي قدر الامكان لان تلك طبيعة شخصيته اساساً ويخفي ما امكن لاحقاً متأثراً بجراحه التي تمنعة آلامها من الكلام. “توماس” واحدة من تلك النساء البريطانيات اللواتي يتسمن بالذكاء والحيوية، والتي لا يخفي تألقها حتى عاصفة رملية، اما جوهرها فهو الصلابة والشجاعة.

اما شخصية “دافو” فتبقى معتمة كما هي دوافعه، وجلي لنا انه يكن غلاً كبيراً في صدره، و“اندروس” رجل ازالة الالغام، في
غاية الامتنان للحياة لان عمله يحتم عليه ان يكون وجها الى وجه مع الموت في كل يوم.

باتت رواية اونداتجي واحدة من اكثر الروايات قراءة واقربها الى قلب القراء في السنوات الأخيرة. وقد يصاب بعض قرائها بخيبة امل لان شخصية “اندروس” لم تأخذ حقها كما في الرواية، فالحب بين السيخ والممرضة كان يمكن ان يملا الفراغ التي سببته القطيعة في الجانب الآخر من القصة، وللانصاف نقول ان الرواية موغلة في تشابكها لدرجة جعلت تحويلها لفيلم معجزة بحد ذاتها.
والكاتب والمخرج “انتوني مينغيلا” عمل جاهداً لايجاد سبل خلاقة ليخلع رداء الماضي رويداً رويداً كاشفاً لنا القصة بلغة بصرية ثرية.

نادراً ما يكون المنتج مساهماً في الجانب الابداعي للفيلم، ولكن منتج “المريض الانجليزي” ”شاول زاينتز” فئة بحد ذاته. فهو  يعمل بشكل مستقل، ويشترى حقوق اعمال ادبية هامة مثل “احدهم طار فوق عش الوقواق ” و“اماديوس” و”كائن لا تحتمل خفته” “في اللعب في حقول الرب” ويتلذذ باجتياز صعوبتها. وهنا استطاع بشراكته مع “مينغيلا” ان يترك نفس الأثر التي تتركه الروايات الخالدة
وهي جذب انتباهك أول مرة من خلال  قصة، ومن ثم اجبارك على اعادة التفكير  بكل ما فهمت بعد ان تكتشف مغزى القصة.

ترجمة سنان غرايبة

Advertisements

About senangh

Creative Director / Filmmaker

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: